فخر الدين الرازي
544
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل ، ففعلوا فصار المقتول حياً وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً ، ثم هاهنا مسائل : المسألة الأولى : أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر اللّه به ، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه ، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض . المسألة الثانية : أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير . المسألة الثالثة : القائلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً معناه اذبحوا أي بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد هذا العموم ، وقال منكرو العموم : إن هذا لا يدل على العموم واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة . يمكن تقسيمه إلى قسمين ، فإنه يصح أن يقال : اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضاً / أن يقال اذبح بقرة أي بقرة شئت ، فإذن المفهوم من قولك « اذبح » معنى مشترك بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم واحداً منهما ، فإذن قوله اذبحوا بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله : اذبحوا بقرة ، أي بقرة شئتم ، فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله : اذبحوا بقرة أي بقرة شئتم تكريراً ولكان قوله : اذبحوا بقرة معينة نقضاً ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القول . الثاني : أن قوله تعالى : فاذبحوا بقرة كالنقيض لقولنا لا تذبحوا بقرة ، وقولنا لا تذبحوا بقرة يفيد النفي العام فوجب أن يكون قولنا اذبحوا بقرة يرفع عموم النفي ويكفي في ارتفاع عموم النفي خصوص الثبوت على وجه واحد ، فإذن قوله : اذبحوا بقرة يفيد الأمر بذبح بقرة واحدة فقط ، أما الإطلاق في ذبح أي بقرة شاءوا فذلك لا حاجة إليه في ارتفاع ذلك النفي فوجب أن لا يكون مستفاداً من اللفظ ، الثالث : أن قوله تعالى : بَقَرَةً لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فرداً معيناً في نفسه غير معين بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فرداً أي فرد كان بدليل أنه إذا قال : رأيت رجلًا فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه في الخبر كذلك وجب أن يكون في الأمر كذلك ، واحتج القائلون بالعموم بأنه لو ذبح أي بقرة كانت فإنه يخرج عن العهدة فوجب أن يفيد العموم . والجواب : أن هذا مصادرة على المطلوب الأول ، فإن هذا إنما يثبت لو ثبت أن قوله : اذبح بقرة معناه اذبح أي بقرة شئت ، وهذا هو عين المتنازع فيه . فهذا هو الكلام في هذه المسألة . إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في أن قوله تعالى : اذبحوا بقرة هل هو أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت ، فالذين يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا : إنه كان أمراً بذبح بقرة معينة ولكنها ما كانت مبينة ، وقال المانعون منه : هو وإن كان أمراً بذبح أي بقرة كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك ، وذلك لأن التكليف الأول كان كافياً لو أطاعوا وكان التخيير في جنس البقرة إذ ذاك هو الصلاح ، فلما عصوا ولم يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة وذلك معلوم في المشاهد ، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختياراً ، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب فكذا هاهنا . واحتج الفريق الأول بوجوه . الأول : قوله تعالى : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ و ما لَوْنُها وقول اللّه تعالى : إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ، . . . إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ ، . . . إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ منصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت ، بل كان المأمور به ذبح